تفاصيل المقال العلمي

انتشار خط المسند في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية (عُمان أنموذج)
13 يناير

انتشار خط المسند في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية (عُمان أنموذج)

مر خط المسند اليمني بمراحل متعددة حتى وصل إلى ما وصل إليه، فكل شيء في الوجود يبدأ من لا شيء حتى يصل إلى مرحلة الكمال، فقد تبدأ المنجزات صغيرة ثم تنمو وتتطور وتتبلور شيئاً فشيئاً، والكتابة كذلك، يبدو أن الإنسان اليمني القديم قد بدأ بالرسم التي كانت تحكي قصة أو تعطي فكرة لا يُراد إيصالها أو الإشارة إليه، فليس هنا الرسم لا لمجرد الرسم بعينه، بل ليوضح لطقس ديني أو حدث ثقافي أو فني ترفيهي…… وغيره، ثم تطور إلى مرحلة الكتابة برموز المعاني ورموز الأصوات، حتى وصل إلى مرحلة اكتمال الكتابة بالصورة التي نعرفها حالياً وهي المرحلة الأخيرة التي تميز فيها خط المسند بالزخرفة والاحترافية فظهر بأشكال متنوعة متقنة بلغ حد الرسم بإبداع وتمكن يفوق الوصف.

يهدف هذا المقال إلى تتبع انتشار الخط العربي الجنوبي (المسند اليمني القديم) إلى أقصى المنطقة الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية (عُمان)، وسنحاول من خلال هذا المقال معرفة أهم المناطق التي انتشر فيها خط المسند اليمني، بالإضافة إلى معرفة أقدم هذه الكتابات يعود تاريخها، بالإضافة إلى أهمية هذه المنطقة من الناحية الجغرافية والاقتصادية بالنسبة لليمن القديم، التي عدّت مصدراً لإنتاج أهم المحاصيل النقدية في بلاد العربية الجنوبية (اللبان والمر والمواد العطرية).

تعد مملكة حضرموت القديمة إحدى ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية التي نشأت في الجهة الشرقية من بلاد العربية الجنوبية في مطلع الألف الأول قبل الميلاد تقريباً، وكانت عاصمتها القديمة ميفعة، ثم بعد ذلك لظروف سياسية انتقلت عاصمتها إلى شبوة في أقصى غرب وادي حضرموت، وقد عدّت مملكة حضرموت من أهم ممالك العربية الجنوبية حيث اكتسبت أهميتها لكونها تملك أرض اللبان، إذ امتد نفوذها شرقاً حتى شملت أراضيها مناطق واسعة ليشمل إقليم المهرة وسكان (ظفار عمان حالياً)، إذ عدّ (إقليم ساكن) عبر تاريخه القديم جزءاً أساسياً من مملكة حضرموت القديمة، فقد شكل إقليم ساكن بالنسبة لمملكة حضرموت ومن بعدها الحميريين بعداً جغرافياً واقتصادياً مهماً، إذ كان لموقعه المتميز في الجزء الجنوبي الشرقي من بلاد العربية الجنوبية دوراً كبيراً في حركة التجارة بحكم موقعه على خطوط الملاحة الدولية، كذلك عرف إقليم ساكن بأرض اللبان والمر والمواد العطرية والجبال الخضراء والمزارع والمراعي، كما عدّ إقليم ساكن بأنه البوابة الشرقية لممالك بلاد العربية الجنوبية، وبهذا عدّ ممراً للتوسع اليمني القديم باتجاه قبائل شمال شرق الجزيرة العربية وبالذات إلى أرض اليمامة.

كما ورد في نقش عبدان الكبير الذي يعود إلى منتصف القرن الرابع الميلادي.

​أن الدراسات الحديثة أثبتت توافق تواريخ خط المسند في كلاً من اليمن وعمان، إذ توضح المكتشفات الأركيولوجية الحديثة في كهف الميفاع الأثري في البيضاء (مكيراس قرية الصومعة) وفي (رأس الجنز) في ولاية صور بمحافظة الشرقية في عمان صحة ذلك التوافق، مما يدل على أن هذه المنطقة واحدة من كل النواحي عبر تاريخها الطويل.

​وقد حظيت نقوش وكتابات مناطق جنوب وشمال شبه الجزيرة العربية باهتمام كبير ودراسات وبعثات ورحلات أثرية متعدد من قبل علماء اللغات السامية باستثناء منطقة جنوب شرق شبه الجزيرة العربية (عمان)، حيث ظلت بعيدة كل البعد عن أعين المستشرقين وعلماء الآثار وبعثات التنقيب.

​ومنذ منتصف القرن العشرين فقد بدأت تتدفق إلى عُمان البعثات الأثرية والرحالة المستشرقين وعلماء الآثار، ويبدو أن هؤلاء العلماء قد صنفوا الكتابة المسندية في عُمان إلى صنفين أو نوعين، النوع الأول من الكتابة المسندية: نقوش كتبت بخط المسند العربي الجنوبي (اليمن القديم) هذه النقوش منتشرة بشكل واسع وملفت للنظر في كل المناطق الواقعة من جنوب عُمان وشمالها أو ما يعرف في التاريخ القديم بإقليم (ساكلن) وتضم حالياً المنطقة التي تعرف باسم صلالة وظفار العمانية، ويعود تاريخ أقدم هذه الكتابات المسندية إلى القرن الثالث قبل الميلاد

بالتحديد إلى عهد مملكة حضرموت التي تعد هذه المنطقة جزء لا يتجزأ من أملاكها، أما النوع الثاني من الكتابات المسندية: نقوش كتبت بخط مختلف ولكنه شبيه بالخط العربي الجنوبي (اليمن القديم) وكذا الخط الثمودي الذي يعد هو في الأصل مشتق من خط المسند اليمني.

​أن الكتابة العمانية هي في الأصل كتابة يمنية عربية مسندية بدائية تشترك في خصائصها المظهرية مع جميع أبجديات الجزيرة العربية لكنها تختلف في بعض سماتها، كما أن أقدم حروف مسندية عثر عليها في عمان كان في موقع (رأس الجنز في ولاية صور بمحافظة الشرقية) حيث يعود تاريخها إلى 2200 ق.م، أي منذ الألف الثالث قبل الميلاد تقريباً، كما أنها ترتبط بنقش كهف (الميفاع في محافظة البيضاء) في اليمن، التي كتبت بخط المسند البدائي في طوره الأقدم والمؤرخ منذ الألف الرابع قبل الميلاد. كما تم العثور على عدد كبير من المخربشات والكتابات في كهوف وجبال وصحاري محافظة ظفار.

​أقدم كتابات خط المسند المكتشفة في عُمان:

​في عام 1985م تم العثور من قبل البعثة الفرنسية — الإيطالية المشتركة في موقع (رأس الجنز) بولاية صور الشرقية على ختمين صغيرين من الحجر الصابوني الناعم، صُنعا محلياً ونقشت عليهما حروف عربية جنوبية مسندية يقدر عمرهما إلى الألف الثالث قبل الميلاد.

تقريباً، وقد نحتت العلامات الكتابية باحترافية شديدة وكأنها شيء مألوف واعتيادي.

موقع مدينة وميناء سمهرم (خور روري)

يقع هذا الميناء على ساحل بحر العرب في الطرف الجنوبي الشرقي من مملكة حضرموت القديمة (إقليم ساكلن)، ظفار عُمان حالياً، وقد تأسس هذا الميناء ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي من قبل أحد ملوك مملكة حضرموت (آل عز يلط) الذي تكرر اسمه كثيراً في النقوش المكتشفة في سمهرم، عُدّ هذا الميناء أحد أهم الموانئ الحضرمية الرئيسية لتصدير اللبان إلى العالم الخارجي، ومن ثم بعد ذلك أصبح تابع للحميريين في منتصف القرن الرابع الميلادي عندما آلت مملكة حضرموت لمملكة حمير.

نقوش موقع سمهرم (خور روري):

قامت البعثة (الأمريكية لدراسة الإنسان) بتنفيذ ثلاث مواسم أثرية في الفترة الممتدة من عام 1952-1962م في موقع سمهرم، حيث تم العثور على لوح برنزي، دون عليه نص نقشي بخط المسند اليمني مكون من ستة أسطر، ذو أهمية تاريخية عظيمة، ويعود تاريخه فيما يرى عالم الآثار (البرايت) إلى القرن الثاني الميلادي، وتكمن أهمية هذا النقش اليمني أنه وثق اسم مدينة سمهرم، كما يذكر هذا النقش أيضاً إله مملكة حضرموت الأكبر (سين ذا أليم)، هذا دليل واضح — لا ريب فيه — على أن إقليم (ساكلن) ظفار كان جزء لا يتجزأ من مملكة حضرموت.

كما تم العثور أيضاً داخل أبواب مدينة سمهرم أثناء عملية التنقيب على سبعة نقوش مسندية، وجميع هذه النقوش يتم ذكر ملك مملكة حضرموت (آل عز يلط) الذي يعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي ومدينة شبوة. كما تم العثور أيضاً على نقش كتب بخط المسند العربي الجنوبي (اليمن القديم)، وهو من نقوش الأهدى إلى الإله (ود أب) يبدو أن صاحب الأهدى من رعايا مملكة معين أو أوسان وهذا دليل على تمركز اليمنيين في هذه المنطقة لا يقتصر على رعايا مملكة حضرموت فقط.

هذا النقش يتحدث عن عامل الملك في سمهرم أنه قدم للإله (سين ذي أليم) إله مملكة معين الرئيسي في محرمه بسمهرم هدية من الذهب وكذلك ذبيحة أراق دمها هدية.

كما تم العثور في ميناء ومدينة سمهرم على أكثر من عشرة نقوش جميعها مرتبطة بمملكة حضرموت، ومعمل لسك النقود الحضرمية في سمهرم.

​موقع (حنون – سانان) الظفاري:

لقد واصلت البعثة الأمريكية أعمال التنقيب في موقع حنون الذي كان يعرف بـ سانان قديماً، وتم العثور على عدة نقوش كتبت بخط المسند موثقاً في ثنايا نصوصه كلاً من الإله (سين) ومدينتي (شبوة) و(سمهرم).


الخاتمة مع التوصيات:

​تشكل النقوش المسندية اليمنية في إقليم (ساكلن) ظفار عُمان حالياً إرثاً حضارياً ومصدراً اساسياً من مصادر تاريخ اليمن القديم.

​حماية هذه الكتابة والحفاظ عليها تعد مسؤولية أخلاقية على عاتق المتخصصين و المؤرخين والباحثين، حيث تدل هذه النقوش على هويتنا اليمنية خلف جدراً نطاقاً الجغرافي الحالي.

​يجب دراسة نقوش المسند بشكل مستفيض من قبل المتخصصين لما لهذه النقوش من أهمية كبيرة كونها تسمح لنا تتبع تطور اللغة العربية القديمة منذ نشأتها الأولى.

​ضرورة التعمق في دراسة اللغات العربية الجنوبية القديمة الحية مثل المهرية والسقطرية لتتبع نشأة وتطور اللغة العربية.

​يجب على الأقسام العلمية المعنية باللغة العربية الجنوبية القديمة أن توجه طلاب الدراسات العليا إلى هذا التخصص لما له من أهمية كبيرة إذ يعد قلمنا الأول.

أن خط المسند اليمني القديم قد انبثقت منه عدد من الخطوط منها: الثمودية والحيانية والصفوية بالإضافة إلى الجعزي الحبشي في شرق أفريقيا ذلك عن طريق الهجرات اليمنية القديمة.

شعار المُسند

عن المُسند

مشروع رقمي يهدف لتوثيق ونشر التراث اليمني المكتوب (خط المسند والزبور) وتوفير أدوات بحثية وتعليمية متطورة، مع الالتزام بمعايير الوصولية والأداء العالي.

تواصل معنا

معلومات التواصل