خط المسند ليس مجرد خط قديم، بل هو كنز أثري يحكي قصصًا منقوشة على الصخور وفي أعماق التاريخ. ويمتد تأثيره من صحراء حوران في الشام إلى رمال حضرموت في اليمن.
هذا الخط الأبجدي القديم، الذي تفرع من الأبجدية الكنعانية، كان لسان حال حضارات عريقة في الجزيرة العربية لأكثر من ألف عام.
فرعان لحكاية واحدة.. مسند الشمال ومسند الجنوب
ينقسم المسند إلى فرعين رئيسيين يرويان حكايتين مختلفتين ولكنهما متصلتان. الفرع الأول هو المسند العربي الجنوبي، الذي ازدهر في جنوب الجزيرة العربية (اليمن وعمان وأجزاء من السعودية).
في حين كتبت به لغات الممالك القديمة. مثل: السبئية والحميرية والمعينية. وأهميته لا تتوقف هنا فمنه اشتقت “حروف الجعز”، المستخدمة حتى اليوم في إثيوبيا وإريتريا. ما يجعله جدًا لأبجدية حية.
كما تعود أقدم النقوش التي وصلتنا بهذا الخط إلى أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، في حضرموت، وهذا يؤكد عمق جذوره. حسب “العين الإخبارية”.
أما الفرع الثاني، المسند العربي الشمالي، فكان منتشرًا في شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام. كتبت به لغات، مثل: اللحيانية والثمودية والصفائية، ويعود أقدمها إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد.
وتلك النقوش المتناثرة في مناطق، مثل: الفاو وديدان وحائل، تظهر تنوعًا ثقافيًا ولغويًا فريدًا، رغم الخلافات الأكاديمية حول تصنيفها.
خصائص فريدة تميزه عن الخط العربي
للوهلة الأولى قد يبدو المسند غريبًا عن عيوننا المعتادة على الخط العربي. لكن تفاصيله هي ما تجعل منه خطًا فريدًا:
اتجاه الكتابة: يكتب المسند عادة من اليمين إلى اليسار، ولكن في بعض النقوش السبئية القديمة كان يستخدم أسلوب “المحراث” (Boustrophedon)، إذ تتغير اتجاهات الكتابة في كل سطر.
بساطة الحروف: لا يحتوي المسند على حركات أو تنقيط، وتكتب حروفه منفصلة وغير متصلة. كما تسقط حروف العلة، فاسم “محمود” يكتب “م ح م د”.
علامات فصل: يتم الفصل بين الكلمات بخط عمودي. ما يمنح النقوش مظهرًا منظمًا ومميزًا.
نقوش تحكي قصصًا عن الحياة والدين
نقوش المسند ليست مجرد حروف، بل هي وثائق تاريخية غنية. وغالبية هذه النقوش تدور حول الحياة العامة والخاصة، ولكن في إطار ديني عميق. فكل إنجاز، سواء كان تشريعًا أو عملًا يوميًا، كان ينظر إليه على أنه يتم برعاية الآلهة.
كما كان هناك خط آخر يعرف بـ”خط الزبور”، وهو نوع من المسند يكتب بخط لين (يشبه الحروف الصغيرة)، واستخدم بشكل متواز معه.
بينما تم العثور على مئات النقوش المكتوبة بهذا الخط في نشان باليمن، وذلك يثبت استخدامه في الحياة اليومية لتسجيل المعاملات والوثائق.
من الحبشة إلى العصر الحديث
وصل تأثير المسند إلى الحبشة (إثيوبيا وإريتريا) في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد. ليصبح أساسًا للغة الجعزية، والتي تطورت لاحقًا إلى اللغة الأمهرية.
وإثيوبيا اليوم هي الدولة الوحيدة التي لا تزال تستخدم أبجدية متطورة مباشرة من المسند.
مجلة الجوهرة > منوعات > خط المسند.. رحلة عبر الزمن في أعماق الجزيرة العربية
منوعات
خط المسند.. رحلة عبر الزمن في أعماق الجزيرة العربية
Posted by
الجوهرة
24 أغسطس، 2025
خط المسند.. رحلة عبر الزمن في أعماق الجزيرة العربية
خط المسند.. رحلة عبر الزمن في أعماق الجزيرة العربية
خط المسند ليس مجرد خط قديم، بل هو كنز أثري يحكي قصصًا منقوشة على الصخور وفي أعماق التاريخ. ويمتد تأثيره من صحراء حوران في الشام إلى رمال حضرموت في اليمن.
هذا الخط الأبجدي القديم، الذي تفرع من الأبجدية الكنعانية، كان لسان حال حضارات عريقة في الجزيرة العربية لأكثر من ألف عام.
فرعان لحكاية واحدة.. مسند الشمال ومسند الجنوب
ينقسم المسند إلى فرعين رئيسيين يرويان حكايتين مختلفتين ولكنهما متصلتان. الفرع الأول هو المسند العربي الجنوبي، الذي ازدهر في جنوب الجزيرة العربية (اليمن وعمان وأجزاء من السعودية).
في حين كتبت به لغات الممالك القديمة. مثل: السبئية والحميرية والمعينية. وأهميته لا تتوقف هنا فمنه اشتقت “حروف الجعز”، المستخدمة حتى اليوم في إثيوبيا وإريتريا. ما يجعله جدًا لأبجدية حية.
كما تعود أقدم النقوش التي وصلتنا بهذا الخط إلى أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، في حضرموت، وهذا يؤكد عمق جذوره. حسب “العين الإخبارية”.
أما الفرع الثاني، المسند العربي الشمالي، فكان منتشرًا في شمال الجزيرة العربية وبلاد الشام. كتبت به لغات، مثل: اللحيانية والثمودية والصفائية، ويعود أقدمها إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد.
وتلك النقوش المتناثرة في مناطق، مثل: الفاو وديدان وحائل، تظهر تنوعًا ثقافيًا ولغويًا فريدًا، رغم الخلافات الأكاديمية حول تصنيفها.
خصائص فريدة تميزه عن الخط العربي
للوهلة الأولى قد يبدو المسند غريبًا عن عيوننا المعتادة على الخط العربي. لكن تفاصيله هي ما تجعل منه خطًا فريدًا:
اتجاه الكتابة: يكتب المسند عادة من اليمين إلى اليسار، ولكن في بعض النقوش السبئية القديمة كان يستخدم أسلوب “المحراث” (Boustrophedon)، إذ تتغير اتجاهات الكتابة في كل سطر.
بساطة الحروف: لا يحتوي المسند على حركات أو تنقيط، وتكتب حروفه منفصلة وغير متصلة. كما تسقط حروف العلة، فاسم “محمود” يكتب “م ح م د”.
علامات فصل: يتم الفصل بين الكلمات بخط عمودي. ما يمنح النقوش مظهرًا منظمًا ومميزًا.
نقوش تحكي قصصًا عن الحياة والدين
نقوش المسند ليست مجرد حروف، بل هي وثائق تاريخية غنية. وغالبية هذه النقوش تدور حول الحياة العامة والخاصة، ولكن في إطار ديني عميق. فكل إنجاز، سواء كان تشريعًا أو عملًا يوميًا، كان ينظر إليه على أنه يتم برعاية الآلهة.
كما كان هناك خط آخر يعرف بـ”خط الزبور”، وهو نوع من المسند يكتب بخط لين (يشبه الحروف الصغيرة)، واستخدم بشكل متواز معه.
بينما تم العثور على مئات النقوش المكتوبة بهذا الخط في نشان باليمن، وذلك يثبت استخدامه في الحياة اليومية لتسجيل المعاملات والوثائق.
من الحبشة إلى العصر الحديث
وصل تأثير المسند إلى الحبشة (إثيوبيا وإريتريا) في حوالي القرن الثامن قبل الميلاد. ليصبح أساسًا للغة الجعزية، والتي تطورت لاحقًا إلى اللغة الأمهرية.
وإثيوبيا اليوم هي الدولة الوحيدة التي لا تزال تستخدم أبجدية متطورة مباشرة من المسند.
ومع ظهور الإسلام وانتشار الخط العربي بدأ المسند في التلاشي تدريجيًا. ومع ذلك هناك بعض النقوش النادرة التي عثر عليها في العصر الإسلامي، مثل: نقش في نجران كتب فيه اسم “طوق بن الهيثم” بالخطين العربي والمسند معًا. ما يدل على أن معرفة هذا الخط لم تختف تمامًا.
وفي العصر الحديث، ومع التقدم التكنولوجي، عاد المسند ليجد له مكانًا. إذ تم تصميم لوحات مفاتيح افتراضية تسمح للباحثين والمتحمسين بكتابة نصوص المسند بسهولة. ما يفتح بابًا جديدًا أمام دراسة هذا الإرث الحضاري المهم.